أحمد مصطفى المراغي

53

تفسير المراغي

والخلاصة - إن دلائل التوحيد مركوزة في العقول لا يحجبها إلا الاشتغال بعبادة غير اللّه ، فإذا أناب العبد إلى ربه زال الغطاء ، وظفر بالفوز ، وظهرت له سبل النجاة . ولمّا ذكر ما نصبه من الأدلة على التوحيد أمر عباده بدعائه وإخلاص الدين له فقال : ( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) أي إذا علمتم أن التذكر خاص بمن ينيب ، فادعوا اللّه وحده مخلصين له العبادة التي أمركم بها ، وخالفوا المشركين في مسلكهم ، ولا تلتفتوا إلى كراهتهم لذلك ، ودعوهم يموتوا بغيظهم ويهلكوا بحسرتهم . و قد ثبت في الصحيح عن عبد اللّه بن الزبير « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يقول عقب الصلوات المكتوبة : لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، لا حول ولا قوة إلا باللّه ، لا إله إلا اللّه ، ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة ، وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله إلا اللّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون » . و عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ادعوا اللّه تبارك وتعالى وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن اللّه لا يستجيب دعاء قلب غافل لاه » . وبعد أن ذكر من صفات كبريائه إظهاره للآيات وإنزاله للأرزاق - ذكر ثلاث صفات أخرى تدل على جلاله وعظمته فقال : ( 1 ) ( رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ) أي إنه أرفع الموجودات وأعظمها شأنا ، لأن كل شئ محتاج إليه ، وهو مستغن عما عداه ، وإنه أزلي أبدىّ ليس لوجوده أول ولا آخر ، وإنه العالم بكل شئ « وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ » . ( 2 ) ( ذُو الْعَرْشِ ) أي إنه مالك العرش ومدبره ، فهو مستول على عالم الأجسام وأعظمها العرش ، كما هو مستول على عالم الأرواح وهي مسخرة له ، وإلى ذلك أشار قوله :